الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

75

محجة العلماء في الأدلة العقلية

فالكلام القائم بذات الباري تعالى لا يجوز ان يكون هو الحسّى اعني المنتظم من الحروف المسموعة لأنه حادث ضرورة ان له ابتداء وانتهاء فان الحرف الثّانى من كل كلمة مسبوق بالأول مشروط بانقضائه فيكون له أول فلا يكون قديما والحرف الأول أيضا لمّا كان له انقضاء لا يكون قديما لامتناع طريان العدم على القديم والمجموع المركب منهما أيضا لمّا كان له انقضاء لا يكون قديما والحادث يمتنع قيامه بذات الباري تعالى فتبيّن ان يكون هو المعنى الثّانى إذ لا ثالث يطلق عليه اسم الكلام وهو الذي يسمّى بالكلام النفسي فان من يورد صيغة امرا ونهى أو نداء أو اخبارا واستخبارا وغير ذلك يجد في نفسه معاني يعبر عنها بالألفاظ نسميها بالكلام الحسّى فالمعنى الّذى يجده في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاح ويقصد المتكلم حصوله في نفس السّامع ليجرى على موجبه هو الذي نسمّيه بالكلام النّفسى وحديثها ثمّ ان الكلام النفسي عندهم مغاير للعلم والإرادة والكراهة وساير الصفات المشهورة والجواب ان المتكلّم انما يوجد الكلام وقيامه به انما هو الايجاد وكون اللفظ غير قار الذّات انما يدل على حدوثه لا على حدوث موجده نعم ليس كل ايجاد للكلام تكلّما الّا إذا لم يكن هناك ما ينسب اليه الفعل من جهة مدخليّته فيه كما إذا كانت الآلة شجرة أو نحوها فان المتكلّم هو الخالق حينئذ وانما لا ينسب افعال العباد إلى اللّه تعالى لفساد ما ذهبوا اليه من أنها مخلوقة له تعالى والّا لم يكن وجه لعدم نسبتها اليه مع أن قيام المعنى بالنفس لا معنى له الا تصوّره وهو ليس تكلّما مجازا أيضا فلو كان ايجاد الكلام معنى مجازيا للكلام لم يكن بدّ من المصير اليه وامّا قول الشاعر ان الكلام لفى الفؤاد البيت فهو مبنى على المبالغة لا ان ما في الفؤاد يطلق عليه الكلام في العرف واللغة والحاصل انه إذا صدر عن المتكلم خبر فهناك ثلاثة أشياء أحدها العبارة الصّادرة عنه والثاني علمه بثبوت النسبة أو انتفائها بين طرفي الخبر والثالث ثبوت تلك النسبة أو انتفائها في الواقع والأخيران ليسا كلاما فتعين الأول وإذا صدر عنه امرا ونهى فهناك شيئان أحدهما لفظ صادر عنه والآخر إرادة أو كراهة قائمة بنفسه والكلام انما هو الأول واحتجّوا أيضا بان نسبة أحد طرفي الخبر إلى الآخر قائمة بنفس المتكلم ومغايرة للعلم لان المتكلم قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه وان المعنى النفسي الذي هو الامر غير الإرادة لأنه قد يأمر الرّجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا وكالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه فإنه قد يأمره وهو يريد ان لا يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه وكذلك النهى وفيه ان قيام النسبة بنفسه لا حقيقة له الّا تصورها والاذعان بها فالمخبر بما يتردد فيه أو يعلم خلافه لا معنى لقيام النسبة بنفسه الّا حضورها في ذهنه واما التكليف الابتلائى وما ضاهاه فليس امرا ولا نهيا بل انما هو شيء يشبههما احتجّ المعتزلة بوجوه الأول انه قد علم بالضرورة من الدّين ان القرآن هو هذا الكلام المؤلف المنظم من الحروف المسموعة المفتتح بالتحميد المختم بالاستعاذة وعليه انعقد اجماع السّلف وأكثر الخلف وأجيب بانّه لا نزاع في اطلاق اسم القرآن وكلام اللّه حقيقة على هذا المؤلّف الحادث وهو المتعارف عند القراء والاصوليّين والفقهاء وانما الأشاعرة يدعون انه يطلق على المعنى القائم بنفسه أيضا وان اتصافه تعالى بهذا الاعتبار لانّ هذا المؤلف كلام الملك أو النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلم وفيه ان إضافة الكلام إلى الشخص لا معنى لها الّا انّه تكلم به فلا فرق بين ان يقال انّ هذا كلام زيدا وان زيدا تكلّم بهذا الكلام فبعد الاعتراف بكون هذه الالفاظ كلام الله حقيقة لا يبقى مجال